الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

152

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الله الذي شملت رحمته العالم بأسره لابد أن يبعث الأنبياء والرسل لتربية النفوس والدعوة إلى الرشد والتكامل البشري . كذلك يحتمل أيضا أن يكونوا قد أكدوا على وصف الرحمانية لله ليقولوا بذلك أن الله الرحمن العطوف لا يثير المشاكل لعباده بإرسال الرسل والأنبياء ، بل إنه يتركهم وشأنهم ! وهذا المنطق الخاوي المتهاوي يتناسب مع مستوى تفكير هذه الفئة الضالة . على كل حال ، فإن هؤلاء الأنبياء لم ييأسوا جراء مخالفة هؤلاء القوم الضالين ولم يضعفوا ، وفي جوابهم قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ومسؤوليتنا إبلاغ الرسالة الإلهية بشكل واضح وبين فحسب . وما علينا إلا البلاغ المبين . من المسلم به أنهم لم يكتفوا بمجرد الادعاء ، أو القسم بأنهم من قبل الله ، بل إن مما يستفاد من تعبير " البلاغ المبين " إجمالا أنهم أظهروا دلائل ومعاجز تشير إلى صدق ادعائهم ، وإلا فلا مصداقية ( للبلاغ المبين ) ، إذ أن البلاغ المبين يجب أن يكون بطريقة تجعل من الميسر للجميع أن يدركوا مراده ، وذلك لا يمكن تحققه إلا من خلال بعض الدلائل والمعجزات الواضحة . وقد ورد في بعض الروايات أيضا أن هؤلاء الرسل كانت لهم القدرة على شفاء بعض المرضى المستعصي علاجهم - بإذن الله - كما كان لعيسى ( عليه السلام ) . ولكن الوثنيين لم يسلموا أمام ذلك المنطق الواضح وتلك المعجزات ، بل إنهم زادوا من عنفهم في المواجهة ، وانتقلوا من مرحلة التكذيب إلى مرحلة التهديد والتعامل الشديد قالوا إنا تطيرنا بكم ( 1 ) . ويحتمل حدوث بعض الوقائع السلبية لهؤلاء القوم في نفس الفترة التي بعث فيها هؤلاء الأنبياء ، وكانت إما نتيجة معاصي هؤلاء القوم ، أو كإنذارات إلهية لهم ،

--> 1 - تقدم الكلام عن " التطير " بالتفصيل في تفسير سورة الأعراف ، الآية 131 ، وذيل الآية 47 من سورة النمل .